|
لست ممن التقوا بالسيدة أسماء فيومي او عرفوها معرفة شخصية
،
او حتى قرأوا عنها من قبل، لكني عرفتها من حديث زوجها ، الصديق المخرج
الكبير غسان جبري . لقد دعاني بكثير من الحماس، لكي احضر معرضها الأخير ،
الذي أقيم في غاليري "أيام " في دمشق ، بعد أن أهداني الكتاب الذي صدر عنها
بمناسبة المعرض . وهكذا بقيت يوما آخر في هذه المدينة التي كانت تتحضر
للعاصفة الثلجية الثانية .
في الليلة السابقة للمعرض ، أتيح لي أن افتح هذا الكتاب الأنيق الذي ازدان
ببعض من أعمالها المعروضة ، و كذلك المقالات التي كتبها نقاد معروفون. و ما
حدث مع زوجها حينما وقع نظره لأول مرة على أعمالها ، حدث معي تماما . الفرق
أنني كنت اعرف على الأقل من هي ، وأتوق للقائها في اليوم التالي، بينما قضى
هو ليلته مستفزا يفكر " ترى من رسم هذه العيون الكبيرة التي يحيط بها لون
الدم " .
لقد كان كلاهما " صانعين للحياة " ، هو من خلال إعادة تركيب الواقع بعدسة
الكاميرا والعين المختبئة خلفها بحنكة، و هي من خلال ألوانها والقماش وكم
كبير من الوجدان الأنثوي الذي لا يمكن حصره ، وقد اخذ يتراكم شيئا فشيئا .
اية لحظة مسحورة سمحت للقاء غسان و أسماء أن يتم ؟! أية غفلة ربانية تركت
هذا اللقاء أن يصل لأوجه ، لا بارتباطهم المقدس وحسب ، و إنما بما منحا هذه
الدنيا ،كجزء من ابداعهما الشخصي و القدري، أقصد بذلك الرجال الأربعة ،
أولادهم الذين يتألقون اليوم ،كل منهم في موقعه، تماما كوالديهما .
لست من المولعين حقا بدراسة الفن التشكيلي انطلاقا من هذه التعابير الصعبة
و المملة التي يستعملها المحترفون ، فانا كتبت عن أهم فناني العرب بلغة
أخرى هي اقرب لي ولهم وللقارىء ، مقتنعة ان مثل هذه " الاصطلاحات الفنية
الفسيفسائية الأكاديمية " ، لن توصل للمتلقي رسالتي وما اريد قوله عن
الفنان، بل انني لست معنية كثيرا بتقنيته و تطورها... أقول هذا صراحة . ان
ما يهمني و ما يشغل بالي هو الصدق و الحوار في هذه التقنية ، و ذلك التطور
المتبدي في اللوحة ، مهما كانت هذه اللوحة . إنني في الحقيقة ابحث عن
الفنان في الخط، في اللون، في الضوء، في خامة القماش، و لا ابحث عنه في
أي أمر آخر . ابحث عن " الروح " الكامنة في حركة المشهد و رمزيته تماما كما
قررت ذات يوم أسماء الفيومي ، أن " ترسم روح الأشياء ". و ذلك عندما رأت
الآخرين كيف يرسمون دمشق . حينذاك قررت أن ترسم عطر الوردة لا الوردة ، ان
تحور الشيء و تبدل فيه ، ان تحطمه و ان تعيد بناءه بقدر ما يسمح ذلك للروح
" بالطلوع " على سطح القماشة . ان هذا تماما ما يلفت انتباهي في اللوحة .
روح الكون المحبوسة فيها ، روح الفنان و روح الآخرين و روح تفاصيل الحياة
المارقة حقا .
حين دخلت إلى معرض " السيدة " كانت رائحة البخور تملأ المكان . لقد كان
الغاليري يشي ببحبوحة الرفاهية . كل شيء معد لكي تستقبل الحواس اللوحة ؛
الضوء المنتشر بحياء هنا و هناك ، الرائحة التي عطرت المكان ، و الموسيقى
التي يعجز عقلي الآن على استذكارها و إنما بقي منها نوتات قليلة جميلة لا
يمكن ان تنسى ، لقد بقي منها انطباع يشبه ذلك الذي تتركه كلمات الحب الأولى
في اللقاء الأول حيث جمال اللحظة يجعل منها " أمراً لا يصدق و غير قابل
للاستعادة " .
كانت السيدة أسماء، و إلى جانبها زوجها المخرج العريق بربطة عنقه
الاحتفالية ، تقف مكتوفة اليدين ، تستمع إلى تعليقات إحدى الكاتبات ،
بينما تحلق آخرون حولهما . لقد كان التعليق مجاملا و باهتا و ربما
وجدته لا يليق بهذه الأفكار المقدسة التي كانت تفور من الجداريات . ابتعدت
قليلا و بدأت رحلتي ، لوحة لوحة ، لا في أدغالِ آخر ما توصلت إليه ريشة
الفنانة و هي تجرب عبر ثلاثة أو أربعة عقود من الزمن كيف ترسم الروح، و
إنما في هذه الوجوه الامومية النسائية التي اختزلت إلى درجة كبيرة " تطور
الأنثى " .
لقد رأيت قناة أسماء فيومي التي تصلها بكل النساء في اللوحات بأم عيني .
رأيت فضاء الشاهدة على عصرها و المشاركة في الجرم في آن ، فضاء وحشة
الحرملك المرة و الاستلقاء الحر تحت شمسه ، فضاء السيدة في ثياب الخادمة
و العكس ، فضاء الشغف الحرام و أصولية المشاعر المدروسة ، فضاء البحث عن
الأنوثة في جوارير المكاتب و قوانين العمل الذكورية الصارمة ، و التوق
للاختباء في عباءة " سي السيد " ، فضاء اللهث وراء الجوائز التقديرية
و الرغبة في الانزواء في مطبخ العائلة الممل ، فضاء الخوف من الرجل و
تخويفه ، فضاء المساواة و التمييز ، و كذلك فضاء إعاقة الدونية المحبطة و
الخشية من التفوق .. و اخيرا فضاء محاربة العنف المشروع و السعي الخفي
وراءه .
لقد سمعت ثرثرة صاخبة في هذه اللوحات .. ثرثرة نساء كثيرات فاقدات أو
متقدات الذاكرة ، ثرثرة لا تختزل بواحدة في حمية الدفاع عنها ضد كل أشكال
التمييز و العنف ، و انما يلم اللون و المشهد في داخلهما المرأة الطفل ، و
المراهقة الأبدية ، و المرأة المنافسة ، و المرأة العقلانية ، و المرأة
النرجسية ، و المازوخية ، و تلك التي تسعى في كل حركة للحصول على الأمن ،
وتلك التي تمارس الختان الروحي على نفسها ، وتلك التي ختنت تحت مشرط "
التهذيب البشع " . ان حديث اللوحات موجه حقا لامرأة كل يوم ، لامرأة بلادي
و بلاد العالم .
انه حديث عن المرأة التي " تريد ان تضفي صفة شخصية على كل شيء ، العاجزة
عن تطبيق عدالة ما ، من دون ان تعرف الوجه الإنساني لمن هو موضوع الاتهام ،
لأنها ترفض اللاشخصية في الكلمات و الأفكار " .
انه حديث عنها ، تلك الطالعة من الذاكرة الشعبية ، وتلك التي مجدتها
الدراما السينمائية . امرأة لم " يعمرها " رجل مفتون بها ، و إنما آخر ،
أراد قطع رقبتها باسم الحب و ادعاء الحفاظ عليها .
كون أسماء الفيومي رحب ، ربما أوسع من أية جدارية ، أوسع من أية دراما يمكن
أن تخطها كاميرا أو يفكر فيها سيناريست يقمع إبداعه قمعا بدواعي اعتبارات
السوق ، بينما تطلق هي لحريتها العنان في كل " ضربة ريشة " .
لوحات أسماء فيومي تشي بحرية من دون حواف ، بتاريخ شخصي طويل بدأ منذ تفتح
المؤسسة الوطنية في سوريا عام 1943 و حتى هذا اليوم الذي تتوق فيه الفنانة
و زوجها ، إلى المجتمع الشامي العريق الذي يتألق بنخبه الفكرية و بعلمانيته
التي تحترم الأديان و تجلها ، و بتطلعه إلى حداثة مرتبطة بأجمل و أذكى ما
في تقاليدنا و عاداتنا . انه مجتمع البحبوحة الذي يعيش فيه الفن حقا و لا
يخبو على قرقعة خواء البطون و العقول ، التي أثقلت كاهلها ثقافة تلقينية لا
تقدم أو تؤخر .
إني اشترك معها و مع زوجها المخرج الذي يختزل تاريخ الدراما السورية في
روحه و عينه التي طالما تطلعت إلى حياتنا من بؤرة العدسة ، اشترك معهما في
هذا الحلم و أتوق لذاك اليوم الذي لا تتحكم فينا طلعات و نزلات الاقتصاد ،
و لا نوبات الرومانسية الطارئة أمام مدن الباطون المسلح ، و لا الثقافات
الأخرى السائدة التي لا تمت لروحنا العريقة بصلة .
اليوم تستمع أسماء إلى موسيقى ابنها الفنان زيدون و هي ترسم بدلا من أساطين
الكلاسيكية مثل شوبان و آخرين . انها فخورة باستعادة " عز الشام " من خلال
عبقرية ابنها ، القها و روحها التي طمستها ثقافة " المرحلة " . اما
غسان جبري فانه يتوق إلى دراما على صورته و مثاله بعد " تجريب " طويل
عريض على الحارات الشامية و أزقتها و حكاياها . انه متيم إلى أقصى حد
كزوجته، ممتلىء مثلها شغفا و إبداعا كبحر ، مدركا أن الاحباطات السياسية و
الاجتماعية الماضية هي توكيد لرؤيته الفذة ، لحال هذه الدنيا حولنا .
عندما التقيت بهما ، كانا طافحين على آخرهما بالروح ، مترعين ككأس ، بتجارب
الماضي .
و بدلا من أن المح خطوطاً حزينة على وجهيهما شأن كل سكان الشرق الأوسط
الأكثر إبداعا و إنتاجا ، كانت ابتسامة بريئة عامرة مثل ابتسامة طفل تشرق
في وجهيهما . انها ابتسامة الممتن لكرم الله الذي منَ عليهما بنعمة الفن
المباركة التي حمتهما و صانتهما من جنون فالت من عقاله يسمى : الدنيا .
بقلم : كلاديس مطر
www.gladysmatar.com
|