|
تذكر عجائب حسكو حسكو المرصوفة والمعروضة في صالة مصطفى علي بدمشق القديمة
بانطلاق تجربة التشكيلة المميزة بين أبناء جيلة حيث اختار منذ البداية أن
يمزج بلطف وحساسية عالماً من الألوان متدرجة الكثافة وشديدة الإيحاء مع
شذرات أشكال نفرض أنها تمثل أشجار وبشراً وحيوانات في بيئته الشمالية
بسهولها الشاسعة . وآفاقها المفتوحة وسماواتها المضيئة .. لكننا سنرى
أشكاله بعد أن تخلصت من ثقلها الأرضي وانتمت إلى أجواء الأسطورية اختزنته
ذاكرته عن نهارات وليالي الحصاد وفرح وحزن أغانية.
في معرضة الحالي الذي يحوي (13) عملاً غالبيتها من القياسات الكبيرة يغوص
في بعد أعماق غوراً يعتمد أرضيات تجريدية تتناغم فيها عوالم لون ومساحات
إضاءة وعتمة في دخول بصري أبعد أثراً وأكثف دلالة. وتسيطر مساحات مدروسة
بتنوع ملامس واختلاف سطوح وأبعاد في رهافة وحنكة المجرب المتمكن حيث يجول
برشة ترصف عجائب لون لدنة إلى جانب مواد أشد قساوة من رمل أو اختراعات
تقنية خشنة أخرى ، نلمح أحياناً أثلاماً يحفرها من ضربات حادة يقطع لحم
اللوحة تتجاوز ألواناً من مقامات متقاربة داخل أجواء عاتمة بوازنها
بإضافات تتخللها أو تجاورها وتمتلئ اللوحة بذلك الصراع بين الضوء والعتمة
خصوصاً لكن ضمن مناخ لا يتصف بالحدة بل بانتقالات هادئة وحياكة تشكيلية لا
تترك أية مساحة في اللوحة دون رعاية وعمل دؤوب.
هذه العناية التقنية بالجانب البصري الذي ينشىء حبكات وتوليفات وألوناً
سوداوية. كأنها بورتريه لأحد معارفنا ضمن خلطة لونية تخفف من رعب المجهول،
وتقربه من معالم التصوير وطرافة العالم الواقعي الممزوج بالحلم.
يصل حسكو في أعمالة الكبيرة إلى نقطة فاصلة في بحثه الفني الذي اعتمد إلى
الآن على تجانس وانسجام هادئ انبشه من ذاكرة طفولته وهدهدات الأحلام
والتقاط سقوط الضوء على القرى والحقول، حيث يدخل مناخات أكثر غرابة وعتمة
وأكثر تركيزاً على أعماق الإنسان وخوفه وقلقة من المجهول. مستخدماً قدراته
التصويرية مصعداً من مطلبه من العمل الفني ومتطلباً ومنحازاً للداخل
الإنساني أكثر فأكثر.
نرى ذلك في ثلاثة أو أربعة أعمال في المعرض تمثل نقلة نوعية في إحساسات
بالمكان وأيضاً في وظيفة العمل الفني ومقصد وانعكاس في العمق الإنساني.
عصام درويش
|