|
سبق أن ذكرت في مقالات
سابقة انني لست من هواة الوقوف على الاطلال إلا بالقدر الذي يعين على فتح
جديد ومفيد، لكن واقع الحال في حياتنا على غير ذلك فنحن لاسباب عديدة صار
الوقوف على الاطلال جزءاً من تراكم المراوحة في المكان بل والاطالة فيه دون
آفاق يمكن ان تتراءى امامنا.
وفي مقال لي نشر في السنة الماضية ( ودائماً عن الفن التشكيلي ) وضعت له
عدة عناوين منها: الحاجة ماسة لاستراتيجية دولة لفننا التشكيلي، واعتقد ان
هذا العنوان تعبيري عن امنية يحلم بها الفنانون ... تتساوى مع كل الفعاليات
مجتمعة لتحقيق عملية التطور والتنهيض... استراتيجية ثابتة وملزمة لاتتأثر
بطارىء او بتصرف شخصي .
جاء المقال منشوراً وقد حذف هذا العنوان ربما لأن البعض قد استثقله ظناً
منه ان الاستراتيجيات لا توضع الا للقضايا السياسية او الاقتصادية... فهل
جاء اليوم الذي نقول فيه ان المعرض السنوي قد افل نجمه، وعز الفراق فيه
ونقف على اطلاله.
لقد كتب الكثير عما آلت اليه احوال هذا المعرض من خلل في قبول الاعمال او
رفضها، وموعد افتتاحه وطباعة دليله، وعملية الاقتناء ولجان التحكيم والصراع
الخفي والمعلن بين مديرية الفنون ونقابة الفنون، وشللية المتنفذين واصحاب
المراكز والشهادات العليا حيث المحاباة وفوضى المعايير.
كما كتب الكثير والكثير عن اهمية هذا المعرض ودوره الحضاري والرعاية
الرئاسية له، واثره على الفنان والفن كتظاهرة سنوية تعددت تسمياتها البراقة
من عرس الفنان الى قمة المعارض مروراً بزينة المعارض ومعرض المعارض ...الخ؟
ورافقت ذلك شهادات رسمية وثقافية واعلامية تشيد بالفن التشكيلي، ورقي
الشعوب التي تزاوله دون ان تصل هذه الشهادات الى مفاعيلها الحقيقية التي
اقلها وضع الفنان في السلم الاجتماعي الذي يستحقه.
ودون ان تصل الى اقتناء اعماله او ادخالها في مشاريع البنى التحتية
والفوقية... وظل مفهوم الاهداء او الاقتناء الوجاهي او الصوري المستهلك هو
الرائج- باستثناءات معينة- بل ان حفل الافتتاح صار بمنأى عن رعايته
الحقيقية تتناوبه جهات يسعى البعض من خلالها وبمصلحة محسوبة للكسب بغفلة من
الترويج السليم والتوجه الذوقي الرفيع... فصار لا فرق بين فنان تاريخي مؤسس
او رائد او دائم الحضور وآخر خرج لتوه يطرح اسمه او عمله حتى في مجال
الرعاية التي كانت سابقاً تميز بين رعاية المسؤول الشخصية او رعاية دائرته
حسب اهمية الفنان وعمله كل ذلك بغياب مشروع الارشيف الذي كلف الفنان عشرات
الملفات التي طلبت وتقدم بها وآخرها لوزارة الثقافة فطال انتظاره ولم تر
النور حتى يومنا هذا والاسباب معروفة ولم تعد خافية على احد لعل ابرزها ان
اكثر مبادراتنا متعلقة بمقترحها الذي ان غادر مكانه غادرت معه وتصبح في خبر
كان.... ومع هذا فإن التشكيل السوري وصل بفتراته الاخيرة الى مستويات راقية
فاق مثيله في الوطن العربي وحقق نجاحات لا يستهان بها رغم عجزه المؤقت عن
تشكيل هوية محلية لا أشك انها قادمة.
اما الفنان التشكيلي فهو في حيرة وقلق وتساؤل حول ما آلت اليه احوال
المعرض السنوي ...ومن المؤسف حقاً ان تغدو المساومات المالية عنواناً
لاقتناء اعمال هذا المعرض وان تدخل على الخط جهات معينة تستغل الحدث بنية
حسنة او سيئة تهز المسارات والاضاءات الحميدة التي عشناها في الستينيات
والسبعينيات والثمانينيات ..الخ
والتي كادت ان تتحول الى اسس وضوابط في مسيرة التشكيل السوري... فهل نحن
على ابواب خصخصة المعرض؟! وانتقاله لايدي جماعات او شركات تجارية خاصة تخضع
لمفهوم العمولة والربح السريع او ضمن تعاملات يصعب رصدها والتحقق من سلامة
مقاصدها...
قد يرى البعض ان مثل هذه الخصخصة تحرك سوق اللوحة والمنحوتة، وترفع من
قيمة العمل الفني وتوظيفه على نطاق اوسع ليشمل كل مناحي الحياة وبالتالي
تعزز الثقافة البصرية ويعلو شأنها... وأنا مع هذا البعض اذا جاءت النتائج
بالصورة المطلوبة ولم لا ..لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي اوصلنا الى
هذه المرحلة التي تعجز فيها الدولة عن توفير المخصصات اللازمة لاقتناء
اعمال معرض هو بالاساس وكما اشرنا تحت رعاية رئيس الجمهورية؟ هل هو صعوبة
التوفير وارباكاته، حيث يشاع - ان ميزانية الوزارة لا تتضمن بنوداً خاصة
بالاقتناء- واذا كان هذا صحيحاً فمن اين كانت تأتي نفقات الاقتناء في
المعارض السابقة؟.
صحيح ان عدد الفنانين التشكيليين قد ازداد وازدادت المعارض الخاصة
والجماعية... كذلك ازداد عدد العاملين بفنون أخرى لكن مخصصاتهم لم تتأثر،
بل هي في صعود يحسدون عليه دون ان يتركوا خلفهم ما يتركه الفنان التشكيلي
من مؤثر وخالد في اللوحة والمنحوتة ناهيك عن ميزانية لم نسمع يوماً انها
تراجعت بل هي في ازدياد مضطرد، بحكم التطور والتوسع .
على اي حال -اعتقد - ان الفنان التشكيلي يتمنى لو يعود المعرض السنوي الى
وجهه القديم بالرعاية الدائمة والاهتمام المبرمج وسطوعه لا أفوله،آخذين
بعين الاعتبار ما جاء في مقدمة المقال التي تفرض اعادة هيكلة المؤسسات
المشرفة على هذا الفن وتحديد صلاحياتها، ورسم ضوابطها بعناوينها وتفاصيلها
دون لبس او غموض بثوابت القوانين واللوائح في بلد يعرف فيه القاصي والداني
ان سورية اغنى بلد عربي على الاطلاق تتعدد مصادر الخير والرزق فيه .
جمال العباس- البعث
|