|
مرة أخرى يحمل الفنان
غسان جديد لوحاته المطعمة برائحة البحر إلى دمشق هذه المرة في صالة أتاسي
في الفترة بين 21 أيار و10 حزيران الجاري. يعيش غسان جديد ويعمل في طرطوس
التي يعشق ويحب ويتنفس وطوال مايزيد عن خمس وثلاثين سنة عمل على وضع آلاف
التصورات للوحة عن طرطوس، طرطوسه واحدة من أجمل المدن على المتوسط تنبع من
البحر ببساطة آسرة يدللها غسان كما ندلل أولادنا ويعيد في كل يوم اختراعها
منشئاً تكوينات لاتحصى لبيوتها وأزقتها وبحرها وسمائها وفي غمرة ضياعه بين
عاشق بالغ وطفل يلهو بألوانه تنبت بين يديه طرطوس مدينة للحلم واللون.
نراها خلف الكرنفال البصري لألوان قطفها من حديقة طفولته التي لم يغادرها
مشبعاً بالانطباعات البكر للأزرق البحري والبنفسجي الليلكي والبرتقالي الذي
يأتي مثل فوانيس معلقة راسماً خطوطه السود يلم بوساطتها فوضى لوحته ويقربها
من أذهاننا فنرى جدران المدينة القديمة بنوافذها وأبوابها ونرى برج
الكاتدرائية الأثرية الجاثم في أغلب تكويناته، البحر بتدرجات أزرق لاتنتهي
وبيوتها المتراكبة مثل واجهات بحرية ترى من سفن أسطورية عابرة ودروبها
الملتوية يستخدم في إثارة انطباعات عميقة تقنية خاصة تقرب السطح إلينا
مشغولاً ببساطة وجمالية لحظة الانجاز المباشرة عفوياً وطازجاً وحياً يبعد
باستخدامه تقنية التطبيع جمود المساحات الفارغة والمصمتة فنرى في كل سنتمتر
مربع من لوحته لوناً مختلفاً وتداخلاً في الألوان تتشابك مخلفة سطحاً يغلي
لاتمل العين من متابعته لأنه لايصدمها بل يحركها بين دروبه وحساسياته
المرهفة وحين توشك الأشياء أن تغرق في غموضها يمسك ريشته محدداً بوساطة
خطوط سود رشيقة حجارتها وشبابيكها وأبوابها وخطوط موج بحرها ومراكب
بأشرعتها في عرض البحر، وأيضاً دوائر وأقمار وغيوم وحلزونات ودوائر ملونة
صغيرة تقتحم سماء اللوحة، يوازن في خطوطه تلك بين الأفقي والعمودي، الحاد
والدائري جامعاً على سطح واحد واقعيته وخياله المجنح، متمسكاً بهذا المزج
بين المادي والسحري كأنما يخاف أن تهرب ذاكرة الطفولة منه، نرى مثالاً له
في سقوط الضوء على البحر والسطوح وفي نقاء اللون.ينقل غسان جديد انبهاره
بالعالم إلى أبصارنا ماسحاً غبار السنين بوساطة مجموعة من الألوان
الساحرة.البسيطة والصافية محاولاً التغلب على محاولات العقل البارد
بالتطويع والتعليب من خلال استحضار رؤى الطفولة وبراءتها.
يقول غسان ..« في ليالي المطر عندما يهبط الليل كنت أسرع الخطا راكضاً تحت
الرذاذ الكثيف إلى البيت قرب البحر تعانقه الصخور الرمادية الكبيرة وتكاد
تخفيه عن المدينة النائمة، وكان الهدوء يلفه تماماً فيبدو وكأنه نبضة من
نبضات الطبيعة وكان للبيت أبواب ونوافذ كبيرة تنفتح على مياه البحر الهائل،
وأمام عرش الليل الزاحف بتثاقل كنت أفكر بالقمر والنجوم الشاحبة وهي تقضم
الظلمة برفق ولبيتنا فسحة داخلية كبيرة فيها بركة وشجرة هرمة يغرقها ضوء
القمر وتفوح من البيت رائحة الياسمين.. وحين كنا نمعن في لهونا وصراخنا
ونتلقى احتجاجات جيراننا، ترد أمي: ارتكوهم إنني أربي صغاراً لاأعشاباً».
في هذا الجوالذي يختلط فيه الطبيعي بالآدمي وتلتقي الحساسيات وينبت
الانبهار بالعالم والحياة والضوء تشكلت طفولة غسان جديد، وعوضاً عن
الانخراط في مؤامرة وضع الطفولة خلفنا،كما نفعل عادة جرها معه على دروب
الحياة وأيقظها مع كل لوحة من لوحاته.
وقد شكل الاطلاع الكثيف فيما بعد على الفن العالمي تأثيرات مهمة على
تجربته، ونلمح قرابة لطيفة له بكل من «بول كلي» و«آلان داف» و«ميرو» و«اندردفاسر»
و«لشنسكي» وهي قرابة محببة لأنه باطلاعه على تجربة أقرانه القدامى استوعبها
بشغف المحب ووعي وعرفان الشريك في الهم الإنساني الشامل وهو باكتشافه لها
أقدم على تحليلها والتواصل معها لحد امتلاكها وهو يعلن دون وجل معرفته
لوجود هذه العلاقة والقاسم المشترك دون أن ينسى أنه لايمكن لفنان حقيقي أن
يكون في النهاية سوى نفسه، وفي حالته تشكل ذكرياته القديمة بصمة شديدة
الخصوصية مثل بوح غامض لايمكن توضيحه عن قصة العلاقة بين بحر ومدينة.
تشرين ـ عصام درويش
|